مش عارفة ابدأ منين و الا منين. لأول مرة لما اقرر اكتب دماغي متتمسحش و تقلب بيضاء ناصعة زي الصفحة اللي حكتب فيها. ينفع الورق يعيّط؟ محتاجة خصائص جديدة في قلمي و كراستي عشان يعّبروا عن اللي عايزة أقوله النهاردة. محتاجة ورق يصدر أنين و يبكي ، أو قلم يبدأ ملآن عن آخره و يتنهي حبره بنهاية مقالي هذا، قلم يبدأ يافعاً و يحتضر على الورق.
قرأت منذ فترة أصداء السيرة الذاتية لنجيب محفوظ، لم أفهم ما الرائع فيها و لم أحبها على الاطلاق كأصدقائي الذين قرأوها و نصحوني بقرائتها، و لكني قرأت سطراً فيها لم يغادرني أبداً.
سألت الشيخ عبدربه التايه " ما علامة الكفر؟ " فأجاب دون تردد " الضجر"
ذهبت صفحات الكتاب و بقي ذلك السطر ليدعني دول حائل بيني و بين ما أصبحت، لقد كفرت بالكثير في تلك الفترة الماضية. لا أعلم تحديداً متى ابتدأ ذلك و لا اعلم متى سينتهي. يا الله! كم كرهت بلادي التي عشقت، متى قرر حلمي بالوطن الرحيل و ودعته غير آسفة ولا حاملة هم الاشتياق؟ كيف آلت الأمور الى ما هي عليه و أصبحت كل الأمور سواسية؟ لا أحبك يا وطن، لا لست وطني. لم تعد كذلك، ضجرت من غدر أرضك و حقارة من سكنوك. أكانوا مسوخاً هكذا من قبل أن يأتي ذلك اليوم المشئوم ليكشف عنهم أقنعتهم و يظهر كل ذلك العفن بداخلهم؟ لم يقسمهم أحد، هم مقسمون، مهشّمون، كارهون بعضهم لبعض من الأساس. ضجرت ممن عاشوا أدوار الآلهة و تشاوروا فيمن يعيش و من حان وقت رحيله لأنه سيعرقل سلامهم الزائف الملطخ بالدماء. ضجرت بالشعارات و الأشعار التي تغنّى بها من ظنوا نفسهم صفوة العفن.
كرهتهم و أحببت نفسي، أحببت أن اغلق علي جلدي و أحتضن كل وجوهي، احبها كلها و استمتع بطبيعتها أياً كانت، عشت أياماً مليئة بالضحك المتناسي و مفعمة بالحب. قهوتي و كتابي و تأملاتي كانوا خير رفقاء على طريق معرفتي لنفسي الممدود. فعلتها، تفاديت كل الأحاديث التي تمس تلك الأرض التي اعتبرت انني مقدر لي أن اعيش عليها و فقط، لا أسكنها، فليس فيها سكينتي أو موطني، أنا فقط قدّر لي أن اتواجد هنا. وجدت من يحبونني بالقدر الكافي ليصاحبوني في رحلة استكشافي غير مستفيدين شيئاً سوى حبي المتبادل لهم و الذي لا أعرف كيف أعبر عنه الا فيما ندر. كنت أملك كل شيء لأيام ربما امتدت لشهور قضيتها بلا هموم، لم يمهلني القدر أكثر من تلك الشهور اتمتع براحتي، قام ملك الموت جميل المحيا في هدوء و تبسم ليأخذ روح صديقي و ابني الروحي الطاهرة و يرحل. ذهب من لم ارد منه غير البقاء، لا الحديث ولا الضحك أو البكاء معه. فقط البقاء. حتى أنني لم ارد أن يكون بقاءنا الا تحت شمس واحدة، لا أكثر من ذلك. لم يكن قلبي يستوعب بنفس سرعة الكون، فقط ذهب في عداد الكون منذ سبعة شهور الآن، و لكنّي لازلت لا أفهم ماذا حدث؟
يا الله كم ضجرت حد الكفر بكل قوانين الدنيا في تلك الشهور السبع؟ لم أعد اؤمن بكل ما قد يأخذ مني جزءاً آخر من روحي و يرحل، ضممت أحبتي اليّ قولاً و فعلاً و حاولت بكل ما اعرف من تأثيري عليهم أن اجعلهم مثلي يفرّون من كل ما يحدث. مت رعباً ان يبالوا أو يحاولوا التفكير كما فكّر هو و سألني عن سبب وجودنا في كل ذلك الخراب؟و عن ما اذا كان دورنا أن نكون شاهدين لن يدلوا بشهاداتهم على ما يحدث؟ تفاديت الحوار و طرح مزيد من الأسئلة التي لم أملك و لازلت لا أملك لها اجابات، خشيت أن يتسبب جهلي في رحيل أحبتي مرة أخرى فجعلت الجهل غاية. " مالنا احنا و مال اللي بيحصل فـ البلد؟ انا اصلاً مش متأثرة خالص باللي بيحصل ولا متابعة ولا عايزة اتابع. احنا نعمل القهوة و نجيب مزيكا حلوة و نقرا سوا، حنسهر من بعض النهاردة" قضيت أياماً طوال افعل اللاشيء بكل طاقتي، و لكم ساعدتني هذه الحالة على تخطي الكثير مما عانيت.
أكتب اليوم لا لشيء سوى انني في بعدي وجدتني انأى عن حبي الأول، ربي. التهيت بنفسي و أحبتي و صممت جميع الأصوات حتى نداءات ربي بكل أشكالها، حتى اليد الممدودة من صاحبي في علاه ليصل بين قلبي الذى ظل يهوي تحت التراب و بين السماء التي هي موطنه الآن. و لكني الآن اشتقت. أكتب و كأني ارفع يدي من قلب التراب و امدها للسماء. فهلا يا ربي ساعدتني أن أبقى في عزلتي وأحتمي من بلادي فيك؟


